محمد بن جرير الطبري
39
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أن لا يكون معها ، فقلت : ما كذب النبي صلى الله عليه وسلم ولا كذب ، فقلنا : أخرجي الكتاب ، وإلا عريناك قال عمرو بن مرة : فأخرجته من حجزتها ، وقال حبيب : أخرجته من قبلها فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا الكتاب : من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة ، فقام عمر فقال : خان الله ورسوله ، ائذن لي أضرب عنقه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أليس قد شهد بدر ا ؟ " قال : بلى ، ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فلعل الله قد اطلع على أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم " ، ففاضت عينا عمر وقال : الله ورسوله أعلم ، فأرسل إلى حاطب ، فقال : " ما حملك على ما صنعت ؟ " فقال : يا نبي الله إني كنت امرأ ملصقا وكان لي بها أهل ومال ، ولم يكن من أصحابك النبي صلى الله عليه وسلم أحد إلا وله بمكة في قريش ، من يمنع أهله ماله ، فكتبت إليهم بذلك ، والله يا نبي الله إني لمؤمن بالله وبرسوله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " صدق حاطب بن أبي بلتعة ، فلا تقولوا لحاطب إلا خيرا " ، فقال حبيب بن أبي ثابت : فأنزل الله عز وجل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ الآية حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، ثنا عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ إلى آخر الآية ، نزلت في رجل كان مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة من قريش ، كتب إلى أهله وعشيرته بمكة ، يخبرهم وينذرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سائر إليهم ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحيفته ، فبعث إليها علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فأتاه بها . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا ، قالوا : لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر في السير إليهم ، ثم أعطاه امرأة يزعم محمد بن جعفر أنها من مزينة ، وزعم غيره أنها سارة مولاة لبعض بني عبد المطلب وجعل لها جعل ، على أن تبلغه قريشا ، فجعلته في رأسها . ثم فتلت عليه قرونها ، ثم خرجت . وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب ، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله عنه ، فقال : " أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قد اجتمعنا له في أمرهم " ، فخرجا حتى أدركا بالحليفة ، حليفة ابن أبي أحمد فاستنزلاها فالتمسا في رحلها ، فلم يجدا شيئا ، فقال لها علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إني أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا ، ولتخرجن إلي هذا الكتاب ، أو لنكشفنك ؛ فلما رأت الجد منه ، قالت : أعرض عني ، فأعرض عنها ، فحلت قرون رأسها ، فاستخرجت الكتاب فدفعته إليه فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا ، فقال : " يا حاطب ما حملك على هذا ؟ " فقال : يا رسول الله ، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ، ما غيرت ولا بدلت ، ولكني كنت امرأ في القوم ليس لي أصل ولا عشيرة ، وكان لي بين أظهرهم أهل وولد ، فصانعتهم عليه ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : دعني يا رسول الله فلأضرب عنقه ، فإن الرجل قد نافق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أصحاب بدر يوم بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " فأنزل الله عز وجل في حاطب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ إلى قوله وَإِلَيْكَ أَنَبْنا إلى آخر القصة . حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة قال : لما نزلت : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ في حاطب بن أبي بلتعة ، كتب إلى كفار قريش كتابا ينصح لهم فيه ، فأطلع الله نبيه عليه الصلاة والسلام على ذلك ، فأرسل عليا والزبير ،